العيني
90
عمدة القاري
الحج في الترمذي في حديث معاذ بن جبل ، وقال فيه : لا أدري أذكر الزكاة أم لا . قوله : أو على التسامح ، يمكن أن يكون جواباً لعدم ذكر الزكاة والحج ، لأن الزكاة لا تجب إلاَّ على الغني بشرطه ، والحج يجب في العمر مرة على التراخي . قوله : ( كان حقاً على الله ) قال الكرماني : أي كالحق . قلت : معناه حق بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب . قوله : ( أو جلس في أرضه ) ، وفي بعض النسخ : أو جلس في بيته ، فيه تأنيس لمن حرم الجهاد في سبيل الله ، فإن له من الإيمان بالله والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنة لأنها هي غاية الطالبين ، ومن أجلها بذل النفوس في الجهاد خلافاً لما يقوله بعض جهلة المتصوفة . وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أنس يرفعه : ( من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه ) ، وعند الحاكم ( من سأل القتل صادقاً ثم مات أعطاه الله أجر شهيد ) ، وعند النسائي بسند جيد عن معاذ يرفعه : من سأل الله من عند نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فله أجر شهيد ) . قوله : ( قالوا : يا رسول الله ) قيل : الذي خاطبه بذلك معاذ بن جبل ، كما في حديث الترمذي الذي مضى ، أو أبو الدرداء ، كما وقع عند الطبراني . قوله : ( إن في الجنة مائة درجة ) ، قال الكرماني : قيل : لما سوى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم بين الجهاد في سبيل الله وعدمه في دخول الجنة ، ورأى استبشار السامع بذلك لسقوط مشاق الجهاد عنه استدرك . بقوله : ( إن في الجنة مائة درجة ) ، كذا وكذا ، وأما الجواب فهو من الأسلوب الحكيم أي : بشرهم بدخول الجنة بالإيمان ، ولا تكتف بذلك ، بل زد عليها بشارة أخرى ، وهو الفوز بدرجات الشهداء ، وبل بشرهم أيضاً بالفردوس . قلت : قوله : وأما الجواب . . . إلى آخره ، من كلام الطيبي ، واعترض عليه بعضهم بقوله : لو لم يرد الحديث إلاَّ كما وقع هنا لكان ما قال متجهاً ، لكن وردت في الحديث زيادة دلت على أن قوله : في الجنة مائة درجة ، تعليل لترك البشارة المذكورة ، فعند الترمذي من رواية معاذ المذكورة ، قلت : يا رسول الله ألا أخبر الناس ، قال : ذر الناس يعملون فإن في الجنة مائة درجة ) ، فظهر أن المراد : لا تبشر الناس بما ذكرته من دخول الجنة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه ، فيقفوا عند ذلك ، ولا يتجاوزه إلى ما هو أفضل منه من الدرجات التي تحصل بالجهاد ، وهذه هي النكتة في قوله : ( أعدها للمجاهدين ) . انتهى . قلت : كلام الطيبي متجه ، والاعتراض عليه غير وارد أصلاً ، لأن قوله : لكن وردت في الحديث زيادة . . . إلى آخره ، غير مسلم لأن الزيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبل وكلام الطيبي وغيره في حديث أبي هريرة ، وكل واحد من الحديثين مستقل بذاته ، والراوي مختلف فكيف يكون ما في حديث معاذ تعليلاً لما في حديث أبي هريرة ، على أن حديث معاذ هذا لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه ، فإن عطاء بن يسار لم يدرك معاذاً ، قال الترمذي : عطاء لم يدرك معاذ بن جبل ، معاذ قديم الموت ، مات في خلافة عمر ، رضي الله تعالى عنه . قوله : ( كما بين السماء والأرض ) ، وفي رواية الترمذي من رواية شريك عن محمد بن جحادة عن عطاء عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام . وقال : هذا حديث حسن غريب ، وفي رواية الطبراني من هذا الوجه : خمسمائة عام ، وروى الترمذي ، قال : حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم . قال : هذا حديث غريب . قوله : ( الفردوس ) ، قيل : هو البستان الذي يجمع ما في البساتين كلها من شجر وزهر ونبات . وقيل : هو متنزه أهل الجنة . وفي الترمذي : هو ربوة الجنة . وقيل : الذي فيه العنب ، يقال : كرم مفردس ، أي : معرش ، وقيل : هو البستان بالرومية ، فنقل إلى العربية ، وهو مذكر وإنما أنث في قوله تعالى : * ( يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) * ( المؤمنون : 11 ) . قال الجواليقي عن أهل اللغة : وقال الزجاج : الفردوس الأودية التي تنبت ضروباً من النبات وهو لفظ سرياني ، وقيل : أصله بالنبطية فرداساً وقيل : الفردوس يعد باباً من أبواب الجنة . قوله : ( أوسط الجنة ) ، أي : أفضلها كما في قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 341 ) . أي : خياراً . وقال ابن بطال : يحتمل أن يريد متوسط الجنة ، والجنة قد حفت بها من كل جهة . قوله : ( وأعلى الجنة ) يعني : أرفعها ، لأن الله مدح الجنان إذا كانت في علو ، وقال : * ( كمثل جنة بربوة ) * ( البقرة : 562 ) . وقال ابن حبان : المراد بالأوسط السعة ، وبالأعلى الفوقية ، وقيل : الحكمة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي . وقال بعضهم : المراد بالأوسط هنا الأعدل ، والأفضل كقوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * ( البقرة : 341 ) . فعلى هذا فعطف الأعلى عليه للتأكيد . انتهى . قلت : سبحان الله ، هذا كلام عجيب ، وليت شعري هل أراد بالتأكيد التأكيد اللفظي أو التأكيد المعنوي ، ولا يصح أن يراد أحدهما على المتأمل . قوله :